تزوجت أخيراً .. وأتممت نصف ديني، اختارت لي أمي امرأة على ذوقها، وأكدت لي أنها الوحيدة التي تناسبني، رغم عدم معرفتي لها مسبقاً. لم أفهم قصدها يومها، فهي لم تكن جميلةً كما تمنيتها، ولا طباخةً ماهرةً تطيب النفس لرائحة طعامها، ومع ذلك، أقنعتني أمي بأنها ستتعلم مع الوقت، وأن البدايات دوماً صعبةً هكذا.
مرت الأيام عاديةً جداً بعد زواجنا، وبما أن عملي بعيد عن أهلي، اضطررت إلى التنقل برفقتها لمكان عملي في منطقة أخرى، وهناك قمنا باستئجار منزلٍ صغيرٍ يناسبنا. وخلال تلك الأيام، بقيت أحاول كل يوم اكتشاف الشيء المميز الذي رأته أمي فيها، فلم أجد شيئاً سوى هدوئها ورصانتها رغم صغر سنّها، فأحببت استفزازها لأفسد ما بقي من جمالها.
كثيراً ما عاتبتها على أخطاءٍ تافهةٍ فقط لأرى غضبها، أهملت واجباتي لأسمع شجارها، كثيراً ما تأخرت عن البيت لأستفز غيرتها. لم أكن أفعل هذا لأني أحبها، بل لأني أحاول إيجاد ما يجعلني أحبها، لكنها لم تصرخ ولم تشاجر، اكتفت بالسؤال لتطمئن فقط، وهذا ما أثار استغرابي من تصرفاتها، حتى أمي لم أشأ اخبارها، فتعاتبني لأني أسيء معاملتها، وهي من اختارتها لي بنفسها.
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي أصبت فيه أثناء عملي، فمكثت في البيت أياماً عدةً، خلال تلك الفترة وجدت الفرصة مناسبة لمراقبتها، فأكتشف بذلك نقاط ضعفها التي تُخرِج الوحش الذي بداخلها، فوجدت أموراً فيها لم أكن أعرفها من قبل عنها، فبدل أن تسألني هي أصبحت أنا من يسألها ..!
كل صباحٍ، وفور مباشرتها أعمال البيت، تُشغِّل القرآن بصوتٍ مرتفعٍ من هاتفها وتقرأ معه، وحين سألتها، قالت في خجلٍ:
” القرآن في البيت مريحٌ، كما أني أحاول استغلال ذلك في حفظ بعض السّور”
إن جلستْ أو قامتْ من مكانها تردِّدُ “يا الله يا كريم”، وكأنها تحمد الله على كرمه بصحتها أثناء تحركاتها. والغريب أنها لا تنسى ذلك مطلقاً ولا تغفل. إن خرجتُ برفقتها، لم تغادر يوماً قبل إلقاء السلام على البيت وهو خالٍ، وحتى بعد عودتها، تكرر ذلك للملائكة حسب قولها. إن طهت الطعام، ظلت تردد أثناء إعداده “ياربّ طيِّبها وكفّيها”، بمعنى اجعلها طيّبةَ الطّعم وكافية، وتكون فعلاً أطيب مما تخيلتها.

 

حتى عندما تصلي، تطيل الدعاء. فجلست مرةً بجانبها وسألتها الدعاء لي، فقالت: أنا أدعو لك دوماً!
فقلت: بماذا تدعين لي؟
فأطرقت في خجلٍ وبسمةٍ: سأخبرك يوماً ما..
لا أعلم لِما شعرت بالسّعادة لحظتها، لم تُعْلمْني بما كانت تدعو لي، لكنها كانت سعيدة وهي تقولها، وكأنها تنتظر تتحقق دعوتها لتخبرني بها.
أصبح لديّ منزل أخيراً، هذا ما كنت أقوله لنفسي فور عودتي، فبعد أن كنت أعيش وحيداً بسبب ظروف عملي، أصبحت اليوم أعُدُّ الدقائق والثواني حتى أصل، فتسرقني رائحة طعامها من شقاء يومي، و تحتضنني ضحكاتها، وجمال بسمتها، حين تستقبلني بشوقٍ يتدفق من عينيها، يكاد يسحبني من مكان وقوفي نحوها، لكنها لا تقولها، لا تقول أنها مشتاقة، وكيف تشتاق لقلب لا يحبها؟ لكن هل أنا حقّاً لا أحبها؟
بقيت أردد هذا السؤال دوماً في مخيلتي، حتى استأذنتني ذات يوم لزيارة أهلها، فقد اشتاقت إليهم كثيراً، عندها شعرت بغصّةٍ رهيبةٍ تخنقني، لم أهضم فكرة ذهابها، لهذه الدرجة تعودت على وجودها، ولم أعد أتحمل البيت دونها..!؟
وذهبت وتركتني مجنوناً أنتظر عودتها. رغم غيابها ليومين فقط، إلا أني بقيت ألمح خيالها في كل زاوية وركن من المنزل، أعدّ الساعات والدقائق حتى حان موعد عودتها، ذهبت سريعاً لجلبها وأنا سعيد جدّاً، أسعد من يوم جلبتها فيه عروسا لبيتها. عندها أدركت أني أحببتها، أحببتها دون أن أشعر. أحببتها لأنها غيرت حياتي وملأتها سعادةً وبهجةً، بتفاصيل بسيطةٍ جعلتني أزفها مباشرةً عروساً إلى قلبي، إلى بيتها الذي طالما كان يشعرها بالغربة، وبأنها لا تنتمي إليه، وهذا ما أخبرتني به عندما صارحتها بأني أحبها فقالت لي: وأخيراً تحققت أمنيتي، واستجاب الله لدعوتي، وأخيراً أصبحت زوجتك التي تحبها!
حينها عرفت أن أمي لم تسىء في اختيارها، بل اختارت لي امرأة قد ذكرها النبي ﷺ في حديثه:
(ألا أخبركم بخير نسائكم من أهل الجنة، الودود الولود العؤود لزوجها، التي إذا ظُلمت قالت هذه يدي في يدك لا أذوق غمضا حتى ترضى)
ــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: مواقع إلكترونية
Tags:

سجل دخول بمعلومات حسابك

Forgot your details?