تصوير فني يجسد التناقض بين عزوف الشباب عن الزواج وبناء الأسرة؛ يظهر في الجانب الأيسر شاب وفتاة في بيئة رقمية باردة ومنعزلة، بينما يظهر في الجانب الأيمن عريس وعروس يدا بيد يعبران بوابة نحو حياة مليئة بالدفء والاستقرار

تمر المجتمعات العربية اليوم بمنعطف اجتماعي حاد، يتمثل في تزايد وتيرة العزوف عن الزواج بين الشباب والفتيات. وإذا كان الخطاب التقليدي يحصر الأسباب في “غلاء المهور” أو “أزمة السكن”، فإن القراءة المتأنية للواقع تكشف عن جبل جليد غارق في تعقيدات نفسية وفكرية وسلوكية، جعلت من “الميثاق الغليظ” وهو الزواج حِملاً يخشى الكثيرون الاقتراب منه.

وقد قررنا في شبكة نصيحة محاولة المساعدة في إذابة جبل الجليد هذا ووضع الأمور في نصابها الصحيح للمساهمة ولو بشكل ضئيل في علاج هذه الظاهرة المؤرقة لبيوت الكثيرين في المجتمعات العربية.

أولاً: سيكولوجية “الكمال الوهمي”

أحد أبرز الأسباب غير المنطقية للعزوف عن الزواج هو ما يمكن تسميته بـ “متلازمة القائمة الكاملة”. بفضل الانفتاح الرقمي المفرط وصور الحياة المثالية التي تصدرها منصات التواصل، سقط الشباب والفتيات في فخ “المقارنة الظالمة”. لم يعد الشاب يبحث عن شريكة حياة، بل عن “موديل” تجمع بين الجمال الخارق، والمكانة الاجتماعية، والقدرة المادية، والحضور على منصات التواصل. وكذلك الفتاة التي تنتظر “الفارس المستحيل” الذي يجمع بين الثراء والوسامة والرومانسية الحالمة كما تظهر في المسلسلات. هذا السعي خلف “الكمال” أدى إلى رفض فرص حقيقية ومناسبة، بانتظار “وهم” قد لا يأتي أبداً.

ومن هنا يتضح أن التحدي الذي يواجه الشاب اليوم ليس في قلة الفرص، بل في “وفرتها الوهمية”. لأن تطبيقات التواصل خلقت انطباعاً زائفاً بأن هناك دائماً “خياراً أفضل” خلف الشاشة القادمة. هذا التشتت بانتظار “الخيار الافضل” الوهمي، جعل الالتزام تجاه شخص واحد يبدو وكأنه تضحية ببقية الخيارات الوهمية المتاحة، مما أدى إلى حالة من “شلل القرار”. فالرغبة في الحصول على كل شيء جعلت جيلنا ينتهي إلى لا شيء، غارقاً في وحدة اختيارية يغلفها برداء “الاستحقاق العالي”

ثانياً: فوبيا المسؤولية وصنم “الاستقلال”

لقد تسللت مفاهيم مثل “الفردانية المفرطة” أو قل الأنانية إلى وجدان الجيل الجديد، حيث أصبح يُنظر للزواج على أنه “قيد” يحد من الحرية الشخصية أو يعيق المسيرة المهنية. حيث نرى اليوم نمطاً من “الاستقلال المشوه” الذي يوهم الشاب أو الفتاة بأن وجود شريك يعني بالضرورة ذوبان الشخصية أو التخلي عن الطموح. هذا الخوف غير المبرر حوّل مؤسسة الزواج من كونها “منصة للدعم والسكينة والمودة والرحمة” إلى “ساحة للصراع على السلطة المزعومة والحرية الشخصية المتوهمة”، مما جعل الكثيرين يفضلون البقاء في منطقة الراحة (Comfort Zone) داخل بيوت أهاليهم، هرباً من أعباء النضج العاطفي والالتزام تجاه الآخر.

ثالثاً: صدمة “التجارب الفاشلة” وتعميم الحكم

يعيش هذا الجيل تحت قصف مستمر من أخبار الطلاق وقصص الخيانات والمشكلات الزوجية التي تملأ الفضاء الإلكتروني. لقد تحولت تلك “الحالات الفردية” إلى “سلوك عام” في أذهان الكثيرين من الشباب والفتيات. هذا التعميم الخاطئ خلق نوعاً من “الرهاب الاجتماعي” من الزواج؛ فأصبح الشاب يرى في كل مشروع زواج مشروع “طلاق مؤجل”، وصارت الفتاة ترى في كل خطيب يتقدم لها “مستبداً محتملاً”. إن العزوف هنا ليس نتاج تجربة ذاتية، بل هو “عدوى نفسية” انتقلت عبر السرديات السلبية المحيطة بنا والتي يعج بها الفضاء الاليكتروني.

رابعاً: الأسباب الاقتصادية.. حقيقة أم شماعة؟

لا يمكن إنكار التحديات المادية التي يعيشها كثير من الشباب اليوم، لكنها في كثير من الأحيان تُستخدم كـ “ستار” لأسباب نفسية أعمق. حيث نجد شاباً ينفق مبالغ طائلة على السفر والكماليات والسيارات، لكنه يتعذر عندما يتعلق الأمر بـ “تكاليف الزواج” ليبقى بعيداً عن الارتباط. إن الإشكالية الحقيقية تكمن في “سلم الأولويات”؛ حيث تراجع بناء الأسرة في ترتيب الأهمية لدى العديد من أبناء هذا الجيل لصالح الرفاهية الاستهلاكية المؤقتة.

خامساً: الطريق نحو كسر الحاجز

مفهوم السكينة المفقود: إعادة توجيه البوصلة” إننا بحاجة إلى استعادة مفاهيم مثل “السكينة والمودة والرحمة” كقيم عليا تفوق قيمة “المتعة اللحظية”. فالزواج ليس مشروعاً تجارياً يبحث عن الربح السريع، بل هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار النفسي. إن الوعي بأن “النضج” لا يأتي قبل الزواج بالضرورة، بل هو ثمرة التفاعل والاحتواء المتبادل، كفيل بتحطيم أصنام الخوف التي بناها الإعلام المعاصر حول تعقيدات الحياة الزوجية

لتخطي هذه العقبة التي باتت تهدد البناء الاجتماعي، نحن بحاجة إلى ثورة وعي تشمل:

  1. إعادة تعريف النجاح: النجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى القمة وحيداً، بل في بناء شراكة إنسانية تمنحك التوازن النفسي لتستمر في النجاح.

  2. خلق نماذج إيجابية: نحتاج لتسليط الضوء على الزيجات الناجحة والملهمة، بدلاً من التركيز فقط على “دراما” الخلافات وقصص الطلاق.

  3. واقعية التوقعات: إدراك أن الزواج هو رحلة بين بشر يخطئون ويصيبون، وليس فيلماً سينمائياً ينتهي عند حفل الزفاف. الكنز الحقيقي يكمن في “النمو المشترك” وتجاوز العثرات معاً.

  4. تيسير التيسير: على المجتمع والآباء العودة لمفهوم “القليل المبارك”، والتركيز على “المعدن” لا “المظهر”.

ختاماً.. إن العزوف عن الزواج ليس مجرد خيار شخصي في سياق مجتمعاتنا، بل هو ثغرة في جدار المستقبل. إن الشجاعة الحقيقية اليوم ليست في “الاستغناء”، بل في “القدرة على البناء” والالتزام بميثاق إنساني يمنح الحياة معناها الأسمى.

إن القطار لا يفوت من يقرر الركوب، بل يفوت من يظل واقفاً على الرصيف ينتظر “قطاراً ذهبياً” لن يصل أبداً.

—————————

اقرأ أيضاً :أسرار عن الجنس يعرفها الأزواج السعداء فقط

Tags:

 الخصوصية | الشروط والقوانين                                                 جميع الحقوق محفوظة لنصيحة  - © 2021

أو

سجل دخول بمعلومات حسابك

Forgot your details?