كما أن لكل زمان رجاله من العلماء والحكماء وصناع التاريخ، فإنه يصح القول أيضاً أن لكل زمان لصوصه. وكما تنعكس طبيعة المجتمعات وأخلاقها على الناس وحركة الحياة في زمانها، فإنها تنعكس أيضاً على لصوص ذلك الزمان.

وفي هذا المقال نسوق لكم صوراً من أخلاق اللصوص الذين وجدوا في بعض الأزمنة، وسترون كيف انعكست على اخلاقهم وتصرفاتهم وسلوكهم مع الآخرين أخلاق زمانهم. وقد تستغرب عزيزي القارئ كيف صدرت مثل هذه التصرفات من هؤلاء اللصوص مقارنة بلصوص هذا الزمان. فلا تستغرب مثلاً أنهم حرَّموا سرقة ممتلكات الأسخياء والفقراء والنساء والجيران، واستحلوا أموال مانعي الزكاة.

اقرأ أيضا: من أقوال الشيخ محمد الغزالي عن الحياة

لص يقدم سيرته الذاتية

هكذا قدّم أحد لصوص العرب (زمان) نفسه بكلام عجيب ونظم أريب، يبرز طبيعة شخصيته المثقفة الواعية وهو يتحدث في معرض إبراز قدراته، وفقاً لما يرويه أبو سعد الآبي الرازي في كتابه ’’نثر الدر‘‘ في المحاضرات إذ قال:

“أنا الموج الكدِر، أنا القفل العسِر…، أنا النار، أنا العار…، لو كلمني الفيل لم يخرس، أو البحر لم ييبس، أو عضني الكلب لم يضرس، أو رآني النمرود لم يتقدس، أصدقائي أكثر من خوص البصرة، وخردل مصر، وعدس الشام، وحصى الجزيرة…، وحنطة الموصل…، وزيتون فلسطين..”

الإمام أحمد بن حنبل واللصوص

للإمام أحمد بن حنبل قصص مع اللصوص، وقد ذكرها الإمام من باب الموعظة وبيان أنه مهما بلغت من العلم والفقه مبلغاً، فربما يأتي من يعلمك شيئا تجهله، أو يقدم لك العظة والنصيحة التي ربما تكون بأمسّ الحاجة لها حتى وإن كان هذا الشخص لصاً.

١- لص يعظ الإمام أحمد

نقل أحدهم عن الإمام أحمد قوله:

كنت أسير في طريقي، فإذا بقاطع طريق يسرق الناس، ورأيت نفس الشخص ’’اللص‘‘ يصلي في المسجد، فذهبت إليه وقلت: هذه المعاملة لا تليق بالمولى تبارك وتعالى، ولن يقبل الله منك هذه الصلاة وتلك أعمالك…

فقال السارق: يا إمام، بيني وبين الله أبواب كثيرة مغلقة، فأحببت أن أترك باباً واحداً مفتوحاً.

بعدها بأشهر قليلة ذهبت لأداء فريضة الحج، وفي أثناء طوافي رأيت رجلاً متعلقاً بأستار الكعبة يقول: تبت إليك.. ارحمني.. لن أعود إلى معصيتك..

فتأملت هذا الأواه المنيب الذي يناجي ربه، فوجدته ’’لصّ‘‘ الأمس، فقلت في نفسي: ’’ترك باباً مفتوحاً ففتح الله له كل الأبواب‘‘.

إياك أن تغلق جميع الأبواب بينك وبين الله عز وجل حتى ولو كنت عاصياً وتقترف معاصيَ كثيرة، فعسى باب واحد أن يفتح لك أبواباً.

اقرأ أيضا: نصائح ذهبية للدكتور إبراهيم الحمد..

٢- لص يعلم الإمام أحمد الصبر

وكان الإمام أحمد بن حنبل يدعو لأبي الهيثم الطرار، وكان أحد اللصوص الذين عُرف عنهم الصبر على سياط الشرطة، ولما سأله ولده عن سرّ دعائه لهذا ’’اللص‘‘ أجابه: “لما مددت للسياط إذا برجل يجذب ثوبي من خلفي وقال: يا ابن حنبل، أما تعرفني؟ قال: قلت: لا، قال: أنا اللص الطرار أبو الهيثم، ضُربت ثمانية عشر ألف سوط تحملتها من أجل الدنيا ومن أجل الشيطان، أفلا تصبر أنت لطاعة الرحمن؟”.

اللصوص الشجعان

وقد مرت عهود كان فيها اللصوص يشاركون في المعارك الحربية. فقد نقل لنا الطبري لحظة مواجهة بين أحد التشكيلات القتالية من اللصوص في حروبهم فقال: إن قائداً خراسانياً من جيش المأمون، كان يوصف بالبأس، خرج إلى القتال “فنظرإلى قوم عُراة لا سلاح معهم”، وهو يقصد هنا فيلق اللصوص الذين كانوا يقاتلون وهم عراة، وكان ذلك من تقاليدهم المعروفة التي لا يزال بعضها يسري في بعض البلاد فيما يعرف بـ”البلاطجة”.

استحقر القائد الخرساني هؤلاء المقاتلين فردّ عليه جنوده قائلين إنهم “هم الآفة” في المعارك، وكان هذا الوصف نابعاً من هول ما لاقوه من قتال هؤلاء العراة، فتعجب القائد لنكوص جنوده وهم “في السلاح الظاهر، والعدة والقوة…،والشجاعة والنجدة”.

وفي إحدى جولات القتال بين الفريقين؛ تقدم فارس نظامي محترف إلى أحد اللصوص وأخذ يقذفه بالسهام، واللص يقفز ويستتر بشكل بهلواني، بل إنه كان يجمع السهام التي تطلق عليه، وظل الحال هكذا حتى نفدت سهام المحارب وهمّ أن يضربه بسيفه، فما كان من اللص إلا أن أخرج من “مخلاته حجرا فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه، ثم ثنّاه بآخر فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه، وكَرّ [الفارس النظامي] راجعا وهو يقول: ليس هؤلاء بإنس”!!

لصوص ولكن مثقفون

هناك ملمح آخر مهم يكشف لنا جانباً آخر في حياة هؤلاء اللصوص، حيث امتلك بعضهم مستوى عالياً من الثقافة والتكوين الأدبي بل إنهم ادّعوا امتلاكهم قسطاً من “الفقه”. فقد نقل لنا المحدّث المؤرخ الخطيب البغدادي في كتابه ’’تاريخ بغداد‘‘ صورة عن “الثقافة الشرعية” لأحد هؤلاء اللصوص،

فقد استوقف لصٌّ أحدَ أصحاب البساتين وأراد أن يسرقه ويأخذ ملابسه، فاستمهله صاحب البستان حتى يصل بيته، ثم يرسل له ملابسه، وأقسم له على صدقه في ذلك؛ فردّ عليه اللص قائلا: “إنا روينا عن مالك أنه قال: لا تـَلزم الأيمانُ التي يُحلَف بها للّصوص. قلت: فأحلف ألا أحتال في أيماني هذه؛ قال: هذه يمين مركّبة على أيمان اللصوص”!!

وتطور الحديث بينهما حتى قال “اللصُّ الفقيهُ” لصاحب البستان: “تصفحتُ أمر اللصوص من عهد رسول الله ﷺ وإلى وقتنا هذا، فلم أجد لصّاً أخذ بـ[دَيْنٍ] نسيئةً، وأكْرَهُ أن أبتَدع في الإسلام بدعة يكون عليّ وزْرُها ووزْرُ مَن عمل بها بعدي إلى يوم القيامة، اخلع ثيابك، قال: فخلعتها ودفعتها إليه فأخذها وانصرَف”!!

اقرأ أيضا: الناس جزر أو بيض أو بنّ.. فمن أنت؟

الجاحظ وذكر أخبار اللصوص

لم يسلم الجاحظ من النقد عندما كتب عن اللصوص وأخلاقهم وقدراتهم على التأويل الفقهي. فكعادته لم يفوّت الجاحظ فرصة الحديث عن هذه الفئة الخطيرة من شرائح المجتمع. فقد خالط اللصوص وسجّل طائفة من أخبارهم، ونقل عنهم بعض أفكارهم وطرقهم في السرقة والحِيَل التي يستخدمونها في ذلك.

١- الجاحظ يتعاطف مع اللصوص

يبدو للبعض من كتابات الجاحظ أنه كان “متعاطفاً” مع بعض جماعات اللصوص التي كانت منتشرة في عصره؛ حتى أنه ألف كتاباً عن أخلاقهم. إذ أورد ياقوت الحموي (كتاب ’’أخلاق الشطار”) في قائمة مؤلفات الجاحظ، الأمر الذي جعل أبا منصور البغدادي يقول عن الجاحظ إن أفكاره المضمنة “كتابَه في حِيَل اللصوص.. علّم بها الفسقةَ وجوهَ السرقةِ”.

وقد أفرد القاضي أبو علي التنوخي -في كتابه ’’الفرَج بعد الشِّدة‘‘- مبحثاً للعديد من قصص اللصوص التي ظهر فيها أن دور الجاحظ لم يقتصر على رصده لتجارب اللصوص، بل إنه نقل مبرراتهم لما كانوا يفعلونه.

٢- لصوص لهم تأويلات فقهية

ومن القصص التي أوردها الجاحظ، والتي كشفت -بزعم البعض- عن تعاطفه معهم، وتبريره لأفعالهم، هذه القصة التي وقعت لتاجر اسمه أبو أحمد الحارثي وقع هو وقافلته التجارية في قبضة “أمير” لصوص يُدعى ابن سيار الكردي، وكان اللص “بِزِيّ الأمراء لا بزي القُطّاع.. يدل [سمْتُه] على فهم وأدب.. يروي الشعر ويفهم النحو”. بدا للحارثي التاجر أنه وجد الطريق إلى قلب هذا اللص الأديب فأنشده أبياتاً يمدحه بها، فرد عليه اللص قائلا: “لست أعلم إن كان هذا من شعرك”! ثم قرر اللص أن يمتحن التاجر الشاعر، فألقى إليه ببعض القوافي، وطلب منه أن ينشئ له شعراً على نسقها، ففعل التاجر وصدّقه اللص ثم سأله: “أي شيء أخِذ منك لأرده عليك؟” فذكر له ما أخِذ منه، فردّه إليه مع متاع لبعض رفاقه في القافلة.

لم يضيّع الحارثي الفرصة، وقرر أن يتعرف على حقيقة هذا اللص الأديب، وأن يفهم الظروف التي ألجأته إلى تلك المهنة؛ فأجابه اللص بأنه قرأ في كتاب الجاحظ عن اللصوص، أن من أسباب ظهورهم في المجتمعات عدم إخراج التجار لزكاة أموالهم، و”هؤلاء التجار خانوا أماناتهم ومنعوا زكاة أموالهم، فصارت أموالهم مستهلَكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم -وإن كرهوا أخذها- كان ذلك مباحاً لهم، لأن عين المال مستهلكة بالزكاة”.

وهنا نلاحظ فكرة “التأول الفقهي” الذي وظّفه اللصوص لأخذ المال عنوة، حتى أنه قال شاعرهم:

وأسرقُ مـالَ اللهِ مِنْ كُلّ فــاجرٍ ** وذي بِطْنـة للطَّيبــات أكُـولِ

وحين حاول الحارثي مجادلة اللص ابن سيار بشأن ما إن كان هؤلاء التجار من مانعي الزكاة؟ رد عليه اللص: “أنا أحضر هؤلاء التجار الساعة، وأريك بالدليل الصحيح أن أموالهم لنا حلال. ثم قال لأصحابه: هاتوا التجار، فجاؤوا. فقال لأحدهم: منذ كم أنت تتّجر في هذا المال الذي قطعنا عليه؟ قال: منذ كذا وكذا سنة. قال: فكيف كنت تُخرج زكاتَه؟ فتلجلج، وتكلم بكلامِ مَن لا يعرف الزكاة على حقيقتها فضلاً عن أن يخرجها.

ثم دعا آخر، فقال له: إذا كان معك ثلاثمئة درهم (فضة) وعشرة دنانير (ذهب)، وحالت عليك السنة؛ فكم تُخرج منها للزكاة؟ فما أحسن أن يجيب. ثم قال لآخر: إذا كان معك متاع للتجارة، ولك دَيْن على نفسيْن، أحدهما مليء (يقصد غني) والآخر معسر، ومعك دراهم، وقد حال الحول على الجميع؛ كيف تخرج زكاة ذلك؟ قال: فما فهم السؤال، فضلاً عن أن يتعاطى الجواب. فصرفهم، ثم قال لي: بان لك صدق حكاية أبي عثمان الجاحظ؟ وأن هؤلاء التجار ما زكَّوْا قط؟”!!

اللص قوي القلب

أتي لبعض الولاة برجلين قد اتّهما بسرقة، فأقامهما بين يديه، ثم دعى بشربة ماء، فجيء بكوز، فرماه بين يديه، فارتاع أحدهما وثبت الآخر، فقال للذي ارتاع: اذهب إلى حال سبيلك، وقال الآخر: أنت أخذت المال، وتلذذت به، وتهدده فأقرّ، فسئل عن ذلك، فقال: إن اللص قوي القلب، والبريء يجزع ولو تحرك عصفور لفزع منه.

لص رحوم

وجاء في كتاب قصص العرب للذهبي:

قال أبو الفتح البصري: اجتمع جماعة من اللصوص، اجتاز عليهم شيخ صيرفي معه كيسه. فقال أحدهم: ما تقولون فيمن يأخذ كيس هذا؟ قالوا: كيف تفعل؟ قال: انظروا! ثم تبعه إلى منزله. فدخل الشيخ، فرمى كيسه على الصفة (أي: المصطبة)

وقال للجارية: أنا حاقن، فألحقيني بماء في الغرفة. وصعد فدخل اللص فأخذ الكيس، وجاء إلى أصحابه. فحدثهم.

فقالوا: ما عملت شيئاً. تركته يضرب الجارية ويعذبها وما ذا مليح!

قال: كيف تريدون؟

قالوا: تخلص الجارية من الضرب وتأخذ الكيس.

قال: نعم.

فمضى فطرق الباب، فإذا بالشيخ يضرب الجارية.

قال: مَن؟

قال: غلام جارك في الدكان. فخرج الشيخ، فقال: ماذا تقول؟

قال: سيدي يسلم عليك ويقول لك قد تغيرت. ترمي الكيس في الدكان وتمضي ولولا أننا رأيناه كان قد أخذه أحدهم، وأخرج اللص الكيس وقال: أليس هذا هو؟

قال: بلى والله صدق سيدك ثم أخذ كيسه.

فقال له: بل أعطنيه وادخل فاكتب في رقعة أنك قد تسلمت الكيس، حتى أتخلص أنا من سيدي ويرجع إليك مالك. فناوله الشيخ إياه ودخل ليكتب، فأخذ الكيس ومضى لأصحابه.

وصية لص

عند وفاة كبير اللصوص في العهد العباسي، كتب وصية لأتباعه من السارقين والحرامية، ومما قال في وصيته:

لا تسرقوا إمرأة ولا جاراً ولا نبيلاً ولا فقير،اً وإذا غُدر بكم فلا تغدروا بهم، وإذا سرقتم بيتاً فاسرقوا نصفه واتركوا النصف الآخر ليعتاش عليه أهله، ولا تكونوا مع الأنذال أو الظلمة أو القتلة.

ــــــــــــــــــــــــــ

اقرأ أيضا: عشرون قولاً في السعادة… ستغير طريقة تفكيرك

Tags:

سجل دخول بمعلومات حسابك

Forgot your details?