لم يكن نصر العاشر من رمضان (أكتوبر 1973) مجرد استرداد للأرض، بل كان في جوهره “فرقانًا حديثًا” أعاد صياغة الذات العربية والإسلامية. هو اليوم الذي سقطت فيه أسطورة “الجيش الذي لا يقهر” أمام إرادةٍ صلبة وتخطيطٍ علمي استمد مدده من روحانية الشهر الكريم.

1. إرهاصات العبور: من مرارة الانكسار إلى يقين التخطيط

بين عامي 1967 و1973، عاشت الأمة مرحلة تشبه “عهد الاستضعاف”. كانت تلك السنوات فترة “إعادة هندسة الذات”، حيث تحول الألم إلى وقود للإعداد.

  • حرب الاستنزاف: كانت بمثابة السرايا التي سبقت بدر؛ لاختبار قوة العدو وكسر حاجز الخوف لديه.

  • الحلول الابتكارية: حين واجه العلم “الساتر الترابي” العظيم (خط بارليف)، لم يقف عاجزاً، بل اجترح حلولاً خارج الصندوق (خراطيم المياه)، تماماً كما غيّر المسلمون في بدر تكتيكات الميدان بالسيطرة على آبار الماء.

2. “تضخم الأنا” لدى العدو: فخ الاستعلاء

كما كان “الصلف” هو المحرك لأبي جهل في بدر، سقطت القيادة الإسرائيلية في فخ “الأنا المتضخمة” (Ego). لقد وصلوا إلى حالة من “الاستعلاء الاستراتيجي” جعلتهم يثقون في أن الجندي العربي غير قادر على خوض حرب تكنولوجية حديثة.

  • عمى الغطرسة: كان لدى العدو مؤشرات استخباراتية على الهجوم، لكن “نرجسية القوة” جعلتهم يستبعدون الفكرة، معتبرين أن “خط بارليف” هو الحصن المنيع الذي لن يقهره بشر. لقد أعمتهم قوتهم المادية عن رؤية “القوة الناعمة” التي كانت تتشكل خلف القناة.

3. مؤشرات النصر: الخداع والسكينة

في العاشر من رمضان، تكررت المعجزات النفسية التي صاحبت يوم الفرقان الأول:

  • الخداع الاستراتيجي: نجحت القيادة في تنويم “أنا” العدو عبر إيهامه بأن الجيش في حالة استرخاء (رحلات عمرة، تسريح جنود)، تماماً كتقليل عدد المسلمين في أعين قريش قبل اللقاء.

  • ساعة الصفر (السكينة): في تمام الساعة الثانية ظهراً، وفي صيام رمضان، غشيت الجنود حالة من الثبات والسكينة. كان الصيام “محفزاً روحياً” وليس “عائقاً بدنياً”، حيث ارتفعت الروح المعنوية لتتجاوز قيود المادة.

4. موازين القوى: حين تنهزم التكنولوجيا أمام الإيمان

بالمقاييس المادية الجافة، كان التفوق التكنولوجي والجوي يميل لصالح العدو. لكن “العاشر من رمضان” أثبت قانوناً كونياً: أن “العقل المنظم” المدعوم بـ “اليقين القلبي” يتفوق دائماً على “الآلة الصماء” الغارقة في غرورها. سقط خط بارليف في ساعات، ليس بقوة القنابل فحسب، بل بقوة الصيحة التي زلزلت الميدان “الله أكبر”، وهي الصيحة التي كانت بمثابة إعلان انتهاء زمن الهزيمة النفسية.

5. النتائج: من التبعية إلى الندية

مثلما حوّلت “بدر” المسلمين من فئة إلى دولة، حوّل “العاشر من رمضان” المنطقة من حالة الاستسلام للواقع المفروض إلى حالة “الندية الدولية”.

  • تم تحطيم أسطورة “الأمن المطلق” للعدو.

  • فُرضت معادلات سياسية جديدة اعترف بها العالم أجمع.

  • استرد الإنسان كرامته قبل أن يسترد ترابه.

خاتمة: “العبور” كحالة ذهنية

إن العاشر من رمضان ليس مجرد صفحة في كتب التاريخ، بل هو درس مستمر في كيفية “عبور” الهزائم الداخلية. هو تأكيد على أن “العنجهية” هي ثغرة القوي التي يؤتى منها، وأن “التواضع العلمي والروحي” هو سر القوة الحقيقي.


اقرأ ايضاً : القرار الأصوب للإختيارات الأصعب

Tags:

 الخصوصية | الشروط والقوانين                                                 جميع الحقوق محفوظة لنصيحة  - © 2021

سجل دخول بمعلومات حسابك

Forgot your details?